عن فقر الخيال الوطني في العراق

2026-02-23 18:36:42

عربيةDraw:

 حيدر سعيد

ليس بعد، لا ينبغي لـ"إعلان الشاي"، السياسي، مدفوع الثمن، في العراق، أن يمرّ بهذه السهولة، على الرغم مما أثاره من ضجة، فهذه الثواني القليلة، على ما فيها من ضحالة، تكشف عما خلّفته عقود الطائفية على تفكيرنا ورؤيتنا وفهمنا، عن عمق الأزمة التي نعيشها، وتطبّعت فينا، فجعلتنا نرى كل ما نعيشه طبيعيّاً، معياريّاً، ولا خيار غيره.

أتفق، تماماً، مع جوهر الحملة ضد هذا الإعلان في أنه استعمل رموزاً تاريخية بشكل مهين، يحط من قيمتها، فصوّرها بأنها مجرّد "خادم" للسلطة القائمة. وأرى، كذلك، أن مجرّد فكرة أن التاريخ يخدم السلطةَ (أو أن توظّفه هي في خدمتها، على نحو ما جُسّد في الإعلان) هي الأخرى فكرة ضحلة.

ولكن، ما كان يحيّرني هو "المنطق" الذي قام عليه الإعلان، لمَ اختار صانعوه شخصيةَ الشاعر محمد مهدي الجواهري دون غيره، ما المنطق في ذلك؟ لمَ يقدّم مثقفٌ الشاي لسياسي (ولستُ بعيداً عن الاتفاق مع ما يفترضه الصديق سنان أنطون، في مقال له (في صحيفة القدس العربي) عن الموضوع، بأن صانع الإعلان ينطلق من فكرة أن المثقف خادمٌ للسلطة)؟ أليس من الأوْلى أن يقدّم الشاي لسياسي سياسيٌّ مثله، لكي يتساوق إعلانُ الجواهري مع إعلان نوري السعيد؟ ألم يكن من الأوْلى (والأسلم منطقيّاً) أن يكون السعيد، رئيس الوزراء الأبرز والأكثر أهمية في الحقبة الملكية في العراق، هو من يقدّم الشاي لرئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، لكي يُظهر الإعلانُ فكرةَ الاستمرارية التاريخية للمؤسّسة السياسية، أو استمرارية رسالتها ورمزيتها وحضورها الاجتماعي في الأقل، في حين يقدّم الشاي لمحمد الحلبوسي، الرئيسِ الأسبق لمجلس النواب الحالي، سياسي تولى رئاسةَ مجلس النواب في الحقبة الملكية، مثل رشيد عالي الكيلاني، أو عبد المحسن السعدون، أو توفيق السويدي، أو مولود مخلص، أو حتى الشيخ محمد رضا الشبيبي، الذي تولى رئاستي مجلسي النواب والأعيان، أو سواهم؟

وإذا لم يكن يبدو أن ثمّة منطقاً واضحاً يحكم الإعلان، فإنني لم أملك من تفسير (وقد اجتهدتُ في ذلك) إلا أن الطائفية باتت تشكل "لاوعينا"، وجوهر نظرتنا إلى تاريخنا، فلم نعد نتقبل (بل بات من اللامفكّر فيه) تخيّل أن يتسلم سياسي شيعي معاصر التاريخَ ورمزياته من رمز غير شيعي، بل إن استمراريته وتواصله وفضاءه التبادلي ينبغي أن يحدُث مع رمز شيعي، حتى وإن كان لهذا الرمز موقع مختلف بالكامل، تاريخيّاً، وأيديولوجيّاً، وحقليّاً. ولكن، لكي يكون ذلك ممكناً، ينبغي التعامل مع التشيع بوصفه "قومية"، وأن يُعاد تعريف هذا الرمز التاريخي (الجواهري هنا) من خلال هوية سياسية طائفية، في حين أنه (في سيرته المعروفة والمعلنة) كان منخرطاً في تشكيل التنظيمات السياسية الوطنية وحراكها، وكان يناضل معها بالمطلب الوطني، وحدَه لا غير. وكذلك، لم يعد متصوّراً في إدراكنا أن يتواصل سياسي سني معاصر إلا مع رمز تاريخي سنّي، حتى وإن لم يكن يتوافق معه في الموقع السياسي.

ألهذه الدرجة بات خيالُنا الوطني في العراق فقيراً، قاحلاً، فلم يستطع صانعُ الإعلان أن يركّبه على نحو مختلف عن الذي ظهر فيه؟ على ما في الفكرة كلها من ضحالة، بلا ريب. هل باتت التربيةُ الطائفية، التي تستحكم فينا أكثر فأكثر يوماً بعد يوم، تمنعنا من تخيّل تاريخنا إلا مقسّماً على الطوائف؟ جزراً منعزلة، لا يحدُث التبادل إلا داخل كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى؟ لا يتواصل الشيعي فيها إلا مع شيعي؟ ولا يتواصل السنّي إلا مع سنّي؟ ألهذه الدرجة بتنا عاجزين عن إدراك الحيز الوطني، الواسع، الذي لم تكن الطوائف فيه سوى هوامش عابرة؟ هل أذكّر بأن أحزاب الحقبة الملكية، كلها بلا استثناء، كانت خليطاً وطنيّاً، فضلاً عن أن أيّاً منها لم يحمل مطلباً لطائفة ما؟

فقرُ الخيال هذا وليدُ جهل عميق بالتاريخ، حين قطعت النخبةُ الطائفية التي تتسيّد الواجهات الشعبَ، المواطنات والمواطنين، عن تاريخ وطنهم، فبات الجهلُ فاعلاً، يركّب لهم هذا التاريخَ انطلاقاً مما يعيشونه راهناً، من "وقائع"، وعقد، ونزاعات، أو علاقات ذات توازنات قوى محددة، لتبدو لهم هذه السرديات المركّبة "مسلماتٍ" مطلقة، يقوم عليها التاريخ كله، ما نعرفه منه وما لا نعرف. وهو أمر مريح، في كل الأحوال، يغنينا عن عناء التنقيب في التاريخ، لنكتشف ذواتنا الماضية.

ألم يكن بإمكان صانع الإعلان أن يختار شخصية تاريخية سياسية شيعية لتتواصل مع رئيس الوزراء الشيعي؟ قد يكون هذا ممكناً على وفق "المنطق" الذي يحكم الإعلان، إلا إنه غير ممكن عمليّاً. كان يمكن لصانع الإعلان أن يجعل مَن يقدم الشاي للسوداني شخصية من قبيل صالح جبر، رئيس الوزراء (الشيعي) في أواخر الأربعينيات، أو فاضل الجمالي، رئيس الوزراء (الشيعي) في الخمسينيات، ولكن، كم عراقيّاً يعرف اليوم وجه صالح جبر أو الجمالي. من هنا، لم يكن ممكناً لهذا الإعلان أن يحقق تسويقيتَه، والجهلُ العام بتاريخنا الوطني جعل هاتين الشخصيتين السياسيتين البارزتين في الحقبة الملكية مجهولتين. ولعل هذا هو الذي جعل صانع الإعلان يختار وجهين "عامين".

نحن، في الخلاصة، أمام جهل بتاريخنا الوطني، وفقر في تخيله. والتاريخ مَنْجى، إذا قرّرنا أن نضع حدّاً للتربية الطائفية، التي ما انفكت تصنع منا بيادقَ متوثبة للانقضاض على "الآخر"، وإنْ كان "آخر" فينا، في دواخلنا، صيّرته السياسةُ "آخر"، مجرد "آخر"، ولكن، من دون ذلك أن تكون ثمة إرادة، وقرار، ومشروع.

العربي الجديد

 

بابه‌تی په‌یوه‌ندیدار
مافی به‌رهه‌مه‌كان پارێزراوه‌ بۆ دره‌و
Developed by Smarthand