Draw Media

بعد عام على انتخاباته.. إقليم كردستان بلا حكومة أو برلمان

2025-11-28 21:28:25

عربيةDraw:

صلاح بابان

منذ أعوام أمورنا تمشي بقدرة الله” يقول بيار بهجت (33 سنة- خريج جامعي) من أربيل، عاصمة اقليم كردستان، وهو يشير الى غياب وجود حكومة موحدة في الاقليم وتعطل البرلمان، محملا الحزبين الحاكمين مسؤولية ذلك بما يحمله من تداعيات سلبية على قوة الاقليم في الدولة الاتحادية وعلى الأوضاع السياسية والاقتصادية وخطط التنمية ومحاربة الفساد في ظل وجود ادارتين حزبيتين على الأرض.

يتابع بعد لحظات من التفكير: “الحزبان الكبيران، يأمران وينهيان، ويسيطران على كل شيء في الإقليم، ومع ذلك لم يكترثا بتشكيل حكومة جديدة تعالج مشاكل المواطنين بما فيهم الشباب الباحثين عن فرص تعيين بتخصصاتهم او فرص عمل مناسبة تمكنهم ولو بعد عشر سنوات من تأسيس واعالة أسرة".

يعدد بأصابع يديه مضيفا:”11 شهرا، أو سنة، او أكثر، لم أعد أذتكر، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني يناوران دون اتفاق ويعقدان اجتماعات شكلية كل شهرين”. ثم يستدرك: “ليس مهمًا لديهم تشكيل حكومة، يقولون ان الأمور ماشية.. والناس لم تعد تهتم أيضا، اعتادوا ان يكونوا بلا حكومة وبلا برلمان.. يعني بلا خطط عمل معلنة، بلا موازنة ولا رقابة ولا مساءلة".

يتوقف عن الكلام برهة، ثم يواصل: “اعتدنا على تأخر رواتب الموظفين وعدم دفع راتبين كل سنة، وعلى تفشي الفساد والمحسوبية، وعلى هجرة الشباب، وعلى تزايد الضرائب ووووووووو”. يكرر حرف الواو بصوت عال، وهو يضرب يديه ببعضهما مراراً، تعبيراً عن استيائه.

بعكس بيار، يرفض سائق سيارة الأجرة الستيني حاجي كاروان، الذي كان ينتظر في صف طويل دوره للتزود بالبنزين مخفض السعر، والذي يحصل عليه كل اسبوع لمرة واحدة، التعليق على انتظاره كل مرة لنحو ساعة، في اقليم يزود باقي مناطق العراق بالمشتقات النفطية لكنه يبيعها لمواطنيه بضعف السعر هناك. يبتسم قبل ان يغلق باب سيارته وهو يقول: “لا جدوى من الكلام، حتى ان تشكلت حكومة جديدة ستظل هذه حالنا".

لم يشهد الاقليم ومنذ تأسيس المؤسسات التشريعية والتنفيذية فيه عام 1992 تأخيراً في تشكيل أي من حكوماته المتعاقبة، كما حدث مع حكومته “العاشرة” التي تنتظر التشكيل منذ تشرين الأول/أكتوبر 2024 عندما جرت انتخابات الدورة السادسة لبرلمانه.

وأجرى الحزبان الحاكمان في اقليم كردستان، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني، الذين حصلا على مجتمعا 62 مقعدا في البرلمان المؤلف من 100 مقعد، طوال نحو عام بضعة اجتماعات متفرقة على مستوى القيادات العليا من أجل بحث تشكيل الحكومة، فيما كانت بقية الاجتماعات بمستوى تمثيل قيادي منخفض وناقشت أمورًا شكلية ولم تخض في الخلافات الجوهرية، ما خلق انطباعا عاما في الشارع الكردي ولدى قوى المعارضة، ان كلا الحزبين غير مهتمين بتشكيل الحكومة، على الرغم من الانعكاسات السلبية لذلك على واقع الاقليم وبشكل خاص قوة حضوره في الدولة الاتحادية، وأيضا صورته الخارجية.

وكانت قوى المعارضة الكردية، الاسلامية منها والمدنية، التي فازت بنحو ثلث مقاعد البرلمان بانتخابات اكتوبر 2024 قد اعلنت عدم مشاركتها في حكومة الاقليم، بسبب عدم توافقهما مع سياسات الحزبين الكبيرين، واتهامهم لهما بممارسة ضغوط كبيرة لمنع عملهم والتضييق على مؤيديهم.

وقد صعب ذلك الموقف تشكيل حكومة جديدة، خاصة على الديمقراطي الكردستاني، الذي يفترض به قيادة عملية تشكيل الحكومة كونه فاز بأعلى عدد من المقاعد (39 مقعدا)، فلم يبق أمامه غير التفاوض مع الاتحاد الوطني الذي قدم لائحة مطالب وصفها الديمقراطي بالتعجيزية.

ويرى باحثون في الشأن الكردي، ان كلا الحزبين كانا يأملان تعزيز موقعهما في انتخابات البرلمان العراقي في تشرين الثاني نوفمبر 2025 بالحصول على مقاعد اضافية، لكن العكس هو الذي حصل، فبقي الفارق السابق بينهما قائما (نحو عشرة مقاعد)، بينما تراجعت مقاعدهما وفق نتائج الانتخابات اذ تحصل الديمقراطي على 27 مقعدا متراجعا عن 32 مقعدا، والاتحاد على 18 مقعدا متراجعًا في التمثيل السياسي بفقدانه لمقاعد في المحافظات المختلطة.

كما تراجعت عدد مقاعد القوى الكردية عموما في العراق، بسبب ضعف أدائهم في محافظات نينوى، كركوك، ديالى، صلاح الدين، وعدم تشكيل تحالفات محلية تعزز فرص فوزهم فيها، فحصلوا على 58 مقعدا في الانتخابات الأخيرة مقارنة بـ 65 مقعداً في انتخابات البرلمان سنة 2021.

ويحمل مراقبون للشأن السياسي، الحزبين الكرديين الرئيسيين (الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني) مسؤولية تأخر تشكيل حكومة الاقليم، بسبب خلافاتهما على توزيع المناصب داخل حكومة الإقليم الجديدة، ومنها مواقع رئيس الحكومة ورئيس الاقليم ووزير الداخلية، فضلا عن الخلافات على طريقة ادارة الوزارات وبعض الهيئات، والممثليات الخارجية، وملفات النفط وعائدات المعابر والرواتب.

يقول الباحث في الشأن السياسي الكردي سامان نوح، ان استمرار صراع الحزبين الكرديين الحاكمين في الاقليم على حصتهما من الوزارات والمناصب العليا في الاقليم، واصرارهما على الاحتفاظ ببعض المواقع الأمنية مثل وزارة الداخلية، هي العقدة الأساسية التي حالت دون الاتفاق سابقا على تشكيل الحكومة، وان العقدة بقيت دون حل فكلا الطرفين يصران على ان تكون تكل الوزارة من حصته، فضلا عن مواقع أخرى.

ويرى ان انعكاسات ذلك الفشل، لم تقتصر على “ابقاء اقليم كردستان بلا حكومة وترك برلمانه معطلا منذ نحو ثلاث سنوات بكل ما يعنيه ذلك من غياب للخطط الاستراتيجية وعدم وجود موازنة عامة، وفقدان آليات الرقابة والمساءلة البرلمانية، وتشويه صورة الاقليم الداخلية والخارجية”، بل امتدت الى عدم الاتفاق على تشكيل تحالفات كردية في المحافظات المختلطة خارج اقليم كردستان وفي المناطق المتنازع عليها، وهذا ما أثر على قوة تمثيل الكرد في بغداد.

ويوضح أن الخلافات أدت الى مزيد من التراجع في الحضور السياسي على مستوى البلاد، مقارنة بمنافساتها من الاحزاب الشيعية التي حصلت على أكثر من 180 مقعدا والتي عادت للتكتل تحت مظلة الاطار التنسيقي، والأحزاب السنية التي اجتمعت أيضا تحت مظلة واحدة بعد الانتخابات ضمن ما سمي بـ”المجلس السياسي الوطني”، بعد ان حصدت نحو 65 مقعدا “فيما بقي الكرد بلا تكتلات او مظلة جامعة ما سينعكس سلبا على تأثيرهم، وسيجعلهم مجرد مشارك يلتحق بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة وليس لاعب أساسي حاسم في تشكيلها، خاصة مع عدم وجود فريق يمثل الثلث المعطل، فالاطار الشيعي مع حلفائه يمكنه عمليا حسم أي قرار دون الرجوع الى الآخرين".

دوامة الانسداد السياسي!

بعد الانتخابات البرلمانية في الاقليم، تشرين الأول/اكتوبر2024، كانت هناك تطلعات من الشارع الكردي حول الاسراع في تشكيل الحكومة استجابة لمتطلبات الاقليم، ولمواجهة الضغوط الاقتصادية وخاصة أزمة تأخر وتعطل دفع الرواتب، والضغوط السياسية مدفوعة بالتحولات في العراق والمنطقة. إلا ان العكس هو ما حصل فامتد التأخر لأكثر من عام، وهو الأطول زمنيا منذ ولادة الاقليم، مع اصرار الحزبين على مطالبهما حتى لو انعكس ذلك سلباً على مصلحة مواطني الاقليم.

يرى الباحث السياسي عادل كمال، أن خلافات تشكيل الحكومة، قللت من “الثقة الداخلية والدولية على حد سواء بإقليم كردستان ككيان سياسي مستقر، وهو ما يمكن تلمسه من خلال تراجع الاهتمام الدولي، خاصة مع استمرار الأزمات الاقتصادية بانعكاساتها الاجتماعية، ومع انقسام فعلي في السيطرة الإدارية بين أربيل والسليمانية".

ويضيف الى ذلك:”تراجعاً كبيراً في ثقة المواطن الكردي بالاقليم ككيان قوي، وبالمؤسسات الجامعة التي يُفترض أن يكون وجودها داعماً لمراقبة الأداء التشريعي والتنفيذي في كردستان، مع استمرار إطلاق الحزبين للوعود بعد كل جولة أو زيارة أو اجتماع يجريانه، لكن دون ان تؤدي الى نتيجة ملموسة".

ويعتقد كمال، أن تأخر تشكيل الحكومة، أدخل اقليم كردستان بما يصفه:”دوامة الانسداد السياسي”، وان ذلك وضعه في حالة من “الجمود والشلل المؤسساتي والتراجع البنيوي والديمقراطي”. ويوضح: “باتت المؤسسات التشريعية معطلة وغائبة عن دورها الرئيسي في مراقبة الأداء الحكومي الذي دخل عامه الثالث وهو في مرحلة تصريف الأعمال".

ويشير إلى “فشل جميع الضغوطات الإقليمية والدولية -ومنها الأمريكية التي تعدّ داعما أساسيا للعملية السياسية في الإقليم- في إخراجه من هذا النفق المظلم، وهو الأكثر عمقاً من بين جميع مراحله السياسية السابقة منذ اتفاقية السلام في العام 1998 التي جرت برعاية أمريكية” على حد تعبيره.

خلافات المناصب والانتخابات العراقية

في الأشهر الاخيرة من العام 2025 توقفت بشكل شبه كامل مباحثات تشكيل الحكومة الجديدة بين الحزبين، إثر عدم حل عقد الخلاف المتمثلة بتوزيع المناصب السيادية، والأمنية منها تحديدا. قبل أن يضاف عامل معطل جديد وهو انتظار اجراء انتخابات الدورة السادسة لمجلس النواب العراقي، ومعرفة عدد المقاعد التي سيحصل عليها كل حزب، بما يمكن ان تحمله من تأثير على التوازنات.

وبعد أن وصلت مفاوضاته إلى طريق شبه مغلق مع الاتحاد الوطني الكردستاني، بدأت تحركات على الأرض من قبل الديمقراطي للبحث عن شريك آخر لتشكيل الحكومة غير الاتحاد الوطني، وبرز اسم حركة “الجيل الجديد” بقيادة شاسوار عبد الواحد (التي تملك 15 مقعدا) كشريك محتمل خاصة لما قد تحصل عليه الحركة من امتيازات تبقيها وسط المشهد السياسي في ظل ما تعنيه من مشاكل نتيجة غياب زعيمها المعتقل في السليمانية بتهم تتعلق بالفساد.

لكن صحفيا كرديا، قريبا من الحزب الديمقراطي، فضل عدم ذكر اسمه، قال ان “الشراكة مع الجيل الجديد ممكنة نظريا وهي تؤمن 54 مقعدا يكفي للمضي بتفعيل البرلمان وتشكيل الحكومة، لكنها عمليا مستحيلة، فلا يمكن ادارة الاقليم دون وجود الاتحاد الوطني في الحكومة، فذلك الخيار سيفتح الباب امام انقسام الاقليم الى ادارتين".

وترى قيادات في الديمقراطي الكردستاني، ان المعطيات الجيوسياسية الإقليمية وحتى نتائج الانتخابات، فرضت معادلة جديدة في إدارة موازين القوى بين الحزبين، ما ينعكس على الالتزام بالاتفاقات السياسية السابقة المتضمنة توزيع المناصب السيادية بينهما في أربيل وبغداد، بالشكل الذي كان الديمقراطي ينال المناصب السيادية في كردستان، والوطني ينال المناصب الثقيلة في بغداد ومنها رئاسة الجمهورية.

لكن قوة الديمقراطي المتنامية في اقليم كردستان مقارنة بالاتحاد الوطني، مازالت تواجه تحديات في بغداد، خاصة مع التحالفات التي شكلها الاتحاد الوطني في المرحلة السابقة مع أبرز قوى الإطار التنسيقي الحاكم، وهو ما يبقيه في معادلة النفوذ في بغداد

وكانت مصادر سياسية، قد كشفت في وقت سابق عن مضمون رسالة أمريكية رسمية تسلّمها كلّ من رئيس حكومة الإقليم المنتهية ولايته مسرور بارزاني، ورئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني في شهر تموز الماضي، تضمنت تحذيرا واضحا من تداعيات استمرار تأخير تشكيل الحكومة، وما يترتب عليه من تعطّل في الحياة السياسية وغياب الاستقرار المؤسسي، فضلاً عن عدم رضا واشنطن على استمرار حالة الجمود السياسي الكردي بسبب تأخر تشكيل الحكومة الكردية الجديدة.

عضو مجلس النواب العراقي، زعيم حركة (هه لويست/ الموقف) المعارضة، علي حمه صالح، الذي يحمل بشكل متكرر الحزبين الحاكمين في الاقليم مسؤولية تأخر تشكيل الحكومة الكردية الجديدة، يقول: “عن تشكيل أي حكومة كردية جديدة يتحدثان وهما مازالا يؤمنان بنظام الإدارتين".

صالح، الذي لا يبدي أي استغراب من كل التأخير الحاصل في تشكيل الحكومة “طالما ان المصلحة الحزبية فوق مصلحة الاقليم”، يضيف مصعدا من لغته الانتقادية: من المثير للجدل أن يكون رئيس الحكومة من الحزب الديمقراطي الكردستاني “لكنه لا يمتلك أي سلطة على متر واحد من أرض السليمانية، وكذلك لا يمتلك السلطة على المعابر والمنافذ الحدودية او حتى على مدير مدرسة هناك، وعلى أي مكان آخر في المحافظة”، في اشارة منه إلى استمرار نظام الإدارتين وتقاسم السلطة بين الحزبين كل في مناطق نفوذه

ويستدرك النائب، الذي حصلت حركته على النسبة الأكبر من أصوات المعارضة الكردية في انتخابات مجلس النواب العراقي-تشرين الثاني/نوفمبر2025 بنيلها خمسة مقاعد: “كل طرف منهما يدير منطقته لوحده بعيدا عن الآخر” ويبدو ان لا مشكلة لديهما في استمرار ذلك النهج.

المعادلة الثابتة.. المقاعد المتغيرة

إثر تمسك كل طرف بمطالبه وعدم التنازل عنها، مرّت العلاقة بين الحزبين الكرديين الرئيسين خلال سنة 2024 بمراحل توتر شهدت تصريحات متضادة بل وتهديدات، وأخرى هدوء وتبادل رسائل اطمئنان والتزام بالصمت، لكن مع ما يفرضه توزيع الحصص في الحكومة الاتحادية فان التوتر قد يعود، خاصة مع مطالب الحزب الديمقراطي بالحصول على منصب رئيس الجمهورية الذي كان طوال 20 عاما من حصة الاتحاد الوطني، وسط تسريبات بترشيح فؤاد حسين للموقع.

يقول الناشط السياسي (ه،ع) أن مطالب وحصص كل طرف، لا ترتبط بنتائج الانتخابات وحدها، بل هي محكومة بعوامل أخرى بينها التحالفات الداخلية، مبينا أن “ما يبقي الخلافات محصورة هو المعادلة الثابتة في خارطة السياسة الكردية والتي تقول باستحالة تشكيل حكومة بدون مشاركة الآخر".

ما ذهب إليه الناشط السياسي، تؤكده قيادات في الحزبين ذاتهما، فمسؤول الهيئة العاملة للمكتب السياسي للحزب الديمقراطي فاضل ميراني، ظل يكرر لسنوات، ان لا بديل امام الحزبين غير نفسيهما. ويقول عضو المكتب السياسي للاتحاد الوطني سعدي أحمد بيره، ان “الحزبين لا يستطيعان تشكيل حكومة من دون بعضهما، ولتشكيل الحكومة يجب أن يكونا شريكين".

وذكر “بيره” في تصريحات صحفية، جاءت كما يبدو ردا على محاولات الديمقراطي كسر الجمود وعقد جلسة للبرلمان بحضور قوى المعارضة حتى اذا قرر الاتحاد الوطني عدم المشاركة، ان “تفعيل البرلمان وتشكيل الحكومة مرتبطان ببعضهما ولا يمكن فصلهما”، مجددا التأكيد على مطالب الاتحاد “بتوزيع السلطات في كردستان بنحو متوازن على جميع المناصب".

ورقة رئاسة الجمهورية والأحزاب المعارضة

الأكاديمي والباحث في الشأن السياسي حكيم عبد الكريم، أتهم الحزب الديمقراطي، بتعمد تأخير تشكيل حكومة الإقليم وعدم تلبية مطالب الاتحاد الوطني، في انتظار تعزيز وجوده في كردستان بالمقاعد الإضافية والحضور القوي من ناحية عدد الأصوات على الساحة العراقية “ليؤكد أنه القوة الأكبر في الإقليم”، حسب قوله.

ويضيف: “في النهاية الحزب الديمقراطي يدرك بأنه لا يمكنه تشكيل حكومة كردستان من دون الاتحاد، لكنه يريد فرض إرادته، وقد يستخدم ورقة المنافسة على منصب رئاسة الجمهورية، للاستحواذ على المناصب الرئيسية في الإقليم والإكتفاء بمنح مناصب محدودة للاتحاد، لأن الأخير يدرك بأن عدم حصوله على رئاسة الجمهورية سيعني انتهاء نفوذه في بغداد وتراجعه بشكل أكبر في كردستان".

وحسب العرف السياسي المعمول به في العراق منذ نحو عشرين عاماً، فأن منصب رئيس الجمهورية هو من حصة الكرد، وتحديدا للاتحاد الوطني الكردستاني، مقابل حصول منافسه الحزب الديمقراطي الكردستاني على منصب رئاسة اقليم كردستان ورئاسة الحكومة فيه، كنوع من الاتفاق بشأن توزيع المناصب السيادية في العراق والإقليم.

وبشأن توقعاته للطريقة التي سيتم من خلالها تشكيل الحكومة الجديدة في كردستان، يقول الباحث حكيم، أن ذلك يعتمد على تدخل الدول المؤثرة في القرار السياسي لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وتركيا، في ظل “غياب الحلول الداخلية".

كما يستبعد احتمالية مضي الحزب الديمقراطي، بالعمل مع الأحزاب المعارضة لاستكمال النصاب القانوني لعقد جلسة البرلمان الكردي والعمل على تشكيل الحكومة الجديدة بمعزل عن غريمه التقليدي وشريكه الأساسي الاتحاد الوطني “لأنه يدرك صعوبة الأمر وربما استحالته".

أما الباحث في الشأن السياسي الكردي شيرزاد مصطفى، فيقول:”من الناحية المنطقية، فإن الأحزاب المعارضة لن تشترك في حكومة الإقليم الجديدة وهذا موقفها السابق، وعمليا لا يمكن أن تكون بديلة للاتحاد الوطني، فلا حكومة من دون الحزبين الكبيرين".

"يعدّ تأخر تشكيل الحكومة الكردية “العاشرة” هو الأطول من بين الحكومات الكردية التسعة التي تم تشكيلها سابقاً منذ ولادة الإقليم الكردي عام 1991

ويشير إلى أنه وعلى الرغم من أن حكومة الإقليم السابقة التي تشكلت في تموز يوليو 2019 دخلت مرحلة الحكومة ناقصة الصلاحيات في 9 تشرين الأول 2022، ويقتصر مهامها حسب القانون على تصريف الأعمال والمهام الرئيسية والتشغيلية “إلا أنها قامت بإصدار الكثير من القرارات الاستراتيجية وعقدت الكثير من الاتفاقيات، مع تعطل مؤسسات أخرى مثل هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية بسبب انتهاء مدتها الدستورية".

بعد اجراء انتخابات برلمان اقليم كردستان في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2024، لم يعقد المجلس سوى جلسة واحدة بتاريخ 2/12/2024 وهو متعطل تماما منذ ذلك الوقت “مع استمرار استلام أعضائه مخصصاتهم ورواتبهم وامتيازاتهم الشهرية، ما يشكل هدراً للمال العام، لأنه يتضمن صرف رواتب لأشخاص دون القيام بأي مهام أو أعمال أو واجبات رسمية".

وبحسب النظام الداخلي لبرلمان كردستان، يتم اختيار رئيسه ونائبه والسكرتير في أول جلسة يعقدها المجلس. إلا أن الجلسة الأولى لبرلمان الإقليم التي عقدت قبل نحو عام تقريبا من الآن تم رفعها إلى اشعار آخر، دون تحديد أي موعد معلوم لانعقادها، وذلك بسبب الخلافات السياسية بين الحزبين الرئيسين.

وهذا ما عدّه مراقبون ومتخصصون في الشأن القانوني، مخالفة للنظام الداخلي لبرلمان الإقليم، إذ كان من المفترض اختيار رئاسة البرلمان والتمهيد لاختيار رئيس الإقليم خلال 30 يوما وبعده يتم اختيار رئيس الحكومة والكابينة الوزارية الجديدة لكن كل ذلك لم يحدث إلى اليوم خلافا للقوانين والنظام الداخلي لبرلمان كردستان.

حل البرلمان وإلغاء نتائج انتخابات الاقليم

تسريبات صحفية، نقلا عن مصادر في الحزب الديمقراطي الكردستاني، تحدثت عن احتمالية الذهاب إلى حل البرلمان وإعادة الانتخابات في اقليم كردستان، إذا لم يثمر الحراك الذي بدأه الديمقراطي قبل أيام مع قوى المعارضة الكردية لتفعيل البرلمان وانتخاب رئاسة له ليقوم بمهامه في التصويت لحكومة جديدة، الى جانب واجباته التشريعية.

كما ان مسؤول مكتب تنظيمات الحزب الديمقراطي في السليمانية، علي حسين، لم يخف امكانية العودة إلى خيار إعادة الانتخابات في حال فشل الحوارات. وقال ان “هذا الخيار سيُطرح إذا ما بقيت الخلافات دون حل، وإذا لم نصل إلى اتفاق، فلن يكون أمامنا سوى التفكير بانتخابات برلمانية جديدة في كردستان".

إلا أن الخبير القانوني ريبين أحمد، يرى استحالة تحقيق خطوة حل البرلمان الكردي “لأن المحكمة الاتحادية في بغداد ردت في شهر تموز الماضي الدعوى المقدمة من قبل حركة الجيل الجديد بشأن ذلك، بعدم الاختصاص".

وكانت المحكمة الاتحادية ردّت دعوى تطالب بـ”الحكم بحل الدورة السادسة لبرلمان إقليم كردستان العراق”، و”استعادة جميع الامتيازات المادية التي حصل عليها (97) مرشحاً فائزاً بسبب أدائهم اليمين، كونه إثراء دون سبب”، و”إلزام المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق للتحضير وإجراء انتخابات لبرلمان كردستان العراق في أقرب وقت ممكن”.

وردت المحكمة دعوى آخرى تقدمت بها النائب في البرلمان العراقي سروة عبد الواحد، ضد رئيس إقليم كردستان، طالبت فيها “بالحكم بإلغاء القرار السلبي المتعلق بامتناع رئيس إقليم كردستان عن حل البرلمان العاجز عن انتخاب هيئة رئاسته وعن منح الثقة لمجلس وزراء الإقليم، لمخالفته لقانون رئاسة إقليم كوردستان العراق".

كما ان حل البرلمان، وفقا للنظام الداخلي يصدر بقرار من رئيس الإقليم، ولكنه يحتاج لتصويت النصف زائد واحد من أعضاء البرلمان: “وبما أن البرلمان لم يعقد أي جلسة، ولا توجد رئاسة ولا أمانة عامة، فهذا الخيار بدوره غير ممكن، وغير منطقي".

ويضيف أحمد: “بشأن إمكانية إلغاء النتائج، لإعادة الانتخابات، فهذا ايضا غير ممكن، كون أعضاء البرلمان الجديد قاموا بتأدية اليمين القانونية وأصبحوا أعضاء في البرلمان”، الى جانب مشكلة عدم وجود مفوضية حاليا في الاقليم لإجراء الانتخابات، في حين ان “مفوضية بغداد” مدتها القانونية ستنتهي خلال اسابيع، كما لا تتوفر تخصيصات مالية لإجراء تلك العملية مجددا.

لذلك يرى أن الحل الوحيد يكمن في “مضي الأحزاب بتشكيل الحكومة الجديدة، او حل البرلمان بالاتفاق بينها جميعا”.

خارطة الصراع.. المناصب العليا

بتكبير العدسة على مشهد الخلافات بين الحزبين الرئيسيين في إقليم كردستان، وعقدته المتمثلة بتوزيع بعض المناصب بينهما، نجد ان الحزب الديمقراطي، اعتاد الحصول على المناصب العليا في الإقليم متمثلة برئاسات الحكومة والاقليم ومجلس القضاء، ومنصب نائب رئيس البرلمان ووزارات الداخلية والثروات الطبيعية والتربية والبلديات ورئاسة ديوان مجلس الوزراء، ومجلس أمن كردستان.

في المقابل، يحصل الاتحاد الوطني على مناصب رئيس البرلمان ونائبي رئيسي الحكومة والاقليم، ووزارات المالية والتعليم العالي والتخطيط والشؤون الاجتماعية والاعمار والزراعة والتجارة والبيشمركة، فضلا عن مناصب فرعية أخرى.

لكنّ ما تغير هذه المرة، ان الاتحاد الوطني “ولضمان شراكة حقيقية في الحكومة بحسب وعوده الانتخابية” طالب في بداية المباحثات برئاسة الإقليم، أو تقسيم فترة رئاسة الحكومة بينه وبين الحزب الديمقراطي على أن يتولاها كل منهما مدة عامين.

وهو تكرار لسيناريو سابق عندما تولى كل من نيجيرفان بارزاني وبرهم أحمد صالح رئاسة الحكومة لمدة عامين لكل منهما بين عام 2009-2013.

ولاحقا طالب الاتحاد، بوزارة الداخلية التي ظل الديمقراطي لسنوات طويلة يسيطر عليها، الى جانب وزارات الثروات الطبيعية والزراعة والمالية والتعليم العالي والتخطيط وسكرتير مجلس الوزراء، ومناصب أخرى.

وهناك مطالب أخرى، مثل التصويت داخل البرلمان على رئيس الحكومة ونائبيه بشكل مشترك، واعتبار الحكومة مستقيلة إذا انسحب أيًا منهما.

وبحسب مصادر مستقلة، كان الديمقراطي قد رفض جل مطالب الاتحاد تلك، لكنه وافق على دراسة إمكانية تسليمه وزارة الداخلية، قبل ان يتراجع عن ذلك، وهو ما عطل مفاوضات تشكيل الحكومة بشكل نهائي قبل بداية الحملات الدعائية لانتخابات البرلمان العراقي.

وازدادت الخلافات تعقيدا إثر تصريحات هجومية تبادلها الطرفان، قبيل الانتخابات وبعدها، لتدخل لاحقا خلافات جديدة على الخط بشأن توزيع حصة الكرد من المناصب في الحكومة الاتحادية حيث يتطلع الديمقراطي للفوز بمنصب رئاسة الجمهورية، ليظل معها الاقليم بلا حكومة موحدة كاملة الصلاحيات ولا برلمان، وتظل القوى الكردية في حالة صراع يؤثر على صورة الاقليم الداخلية ودوره وحضوره الخارجي.

يختصر شوان علي، وهو موظف متقاعد، كان يتابع في مقهى شعبي ومن خلال محطة كردية خبرا عن الموعد المحتمل لتوزيع راتب شهر أيلول/سبتمبر، مشهد خلافات تشكيل الحكومة الجديدة، بالقول هي “محنة الكرد التي لا تنتهي نتيجة صراعاتهم”. يضيف وهو ينظر بعينين نصف مغمضتين نحو الأرض “دائما مصالحهم فوق كل مصلحة.. وهكذا يدمرون كل شيء".

أنجز التقرير تحت إشراف شبكة “نيريج” للتحقيقات الاستقصائية.

Related Post
All Contents are reserved by Draw media.
Developed by Smarthand