عربيةDraw:
يُظهر تقرير نشره موقع "The National Context" تحت عنوان "البعد السني لحملة زيدي ضد الفساد" أن جهود مكافحة الفساد الأخيرة التي يقودها علي الزيدي تتجاوز أبعادها القانونية الإجرائية لتشتبك مع توازنات القوة والسياسة في العراق. فبينما تبدو الحملة امتداداً لتقليد سياسي مألوف يسعى فيه كل رئيس وزراء جديد إلى إعادة إنتاج مساعي سلفه في محاربة الفساد كجزء من تثبيت شرعيته، إلا أنها تكتسب خصوصية غير مسبوقة في المشهد السياسي لما بعد عام 2003 بالنظر إلى تركيزها الواسع والمباشر داخل الأوساط السياسية السنّية.
وقد تميزت مسارات هذه الحملة بآليات اعتقال مباشرة وواضحة، استهدفت بشكل لافت أبرز الخصوم والمنافسين السياسيين لرئيس البرلمان السابق ورئيس حزب "تقدم" محمد الحلبوسي. وشملت هذه الإجراءات توقيف رئيس حزب "العزم" مثنى السامرائي، الذي يُعد الخصم الأبرز للحلبوسي، إلى جانب النائب عن الحزب نفسه وأحد أشد منتقديه محمد الكربولي. ولم تقتصر التحركات على الجبهة المعارضة، بل طالت أيضاً القيادي زياد الجنابي مع ثمانية نواب آخرين من حزب "تقدم" ممن شكلوا منافسة داخلية للحلبوسي في الاستحقاقات الانتخابية الماضية، بالإضافة إلى صدور أوامر اعتقال بحق مشعان الجبوري ونجله يزن، وصدر بحق الأخير حكم بالسجن لخمس سنوات، في وقت تمنع الضغوط السياسية والنيابية والده من العودة إلى البلاد.
وتدفع هذه الخريطة من الاستهدافات بالتقرير إلى استنتاج أن الحملة تحمل دلالات مزدوجة؛ فهي تُمثل من جهة "حملة تطهير" حكومية يتبناها رئيس الوزراء، وتتحول من جهة أخرى إلى أداة تخدم مصالح الحلبوسي بطريقة مباشرة عبر تقويض نفوذ منافسيه وتجريدهم من عناصر قوتهم. ويعزز هذا الاستنتاج قدرة جهاز مكافحة الفساد على توجيه ضرباته نحو كتلة سنية محددة، مما يربطه مراقبون بشبكة التحالفات التي نسجها الحلبوسي مع قوى وازنة في المشهد العراقي، وفي مقدمتها رئيس السلطة القضائية فائق زيدان، والأمين العام لعصائب أهل الحق قيس الخزعلي، فضلاً عن تقاطعاته السياسية مع رئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني بافل طالباني.
وفي موازاة البعد السني، يمتد الأثر السياسي للحملة ليرسم ظلالاً على التوازنات داخل البيت السياسي الشيعي، حيث يربط التقرير بين وجهة الضربات ومحاولة تحجيم نفوذ رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، بالنظر إلى أن عدداً من الشخصيات السنية المستهدفة تُمثل حلفاء أساسيين له في الساحة السنية، الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى إضعاف أوراقه السياسية، وفي الوقت نفسه يضعف من موقف منافسه الشيعي رئيس الوزراء محمد شياع السوداني.
وتأسيساً على هذه القراءة الإستراتيجية، يخلص التقرير إلى أن هذه الاعتقالات تعكس تداخلاً وثيقاً بين ثلاثة مسارات رئيسية تتأرجح بين التطهير الحكومي الممنهج، وتصفية الحسابات السياسية السنية لصالح تعزيز نفوذ الحلبوسي، وإعادة تشكيل موازين القوى الشيعية الداخلية من خلال إضعاف جبهتي السوداني والمالكي. وبذلك، تبتعد الحملة عن كونها مجرد تفعيل لآليات المحاسبة القانونية، لتصبح أداة إستراتيجية معقدة يعاد من خلالها رسم خارطة النفوذ والمكاسب بين مختلف القوى السياسية في العراق.