عربيةDraw:
تحليل- هتوان عمر
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط، برزت مبادرتان استراتيجيتان تحملان أهدافاً متباينة لكنهما تتقاطعان في إعادة رسم خريطة المنطقة: مشروع خط الحجاز الذي تتبناه تركيا والسعودية، ومشروع طريق التنمية الذي يقوده العراق.
خلفية تاريخية
الخط الأصلي: أنشئ بين عامي 1900 و1908 في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وامتد بطول نحو 1322 كم من دمشق إلى المدينة المنورة، ثم توسع لاحقاً ليصل إلى نحو 1900 كم، كان الخط وسيلة لنقل الحجاج والبضائع والبريد، ورمزاً لوحدة العالم الإسلامي، قبل أن يتعرض للتدمير خلال الحرب العالمية الأولى.
خط الحجاز: إحياء التاريخ لخدمة الاقتصاد
تركيا والسعودية وقعتا في حزيران/ يونيو 2026 في الرياض مذكرتي تفاهم في مجالي السكك الحديدية والخدمات اللوجستية، في خطوة وُصفت في الإعلام التركي بأنها إحياء حديث لـ"سكة حديد الحجاز".
الهدف هو إنشاء إطار للتعاون في النقل البري وتبادل الخبرات التقنية وتعزيز المراكز اللوجستية.
المشروع يربط أنقرة بدمشق وعمان، مع إمكانية تمديده لاحقاً إلى الأراضي السعودية وصولاً إلى عُمان والمحيط الهندي، ليشكّل ممراً تجارياً بديلاً عن الممرات البحرية المزدحمة مثل مضيق هرمز.
هذا الخط يعيد إلى الأذهان السكة التاريخية التي أنشأتها الدولة العثمانية لربط الشام بالمدينة المنورة، لكنه اليوم يُطرح كجزء من شبكة حديثة لنقل البضائع والركاب.
الهدف الاستراتيجي:
توفير ممر بري بديل للتجارة والنقل بعيداً عن المضائق البحرية المهددة مثل مضيق هرمز.
تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي بين تركيا ودول الخليج.
دعم رؤية السعودية 2030 بتحويل المملكة إلى منصة لوجستية عالمية.
طريق التنمية: العراق من "الهامش" إلى "الممر"
على النقيض من الطابع التاريخي للحجاز، يمثل "طريق التنمية" مشروعاً عراقياً حديثاً يربط ميناء الفاو الكبير بتركيا ثم أوروبا عبر خط سكك بطول 1200 كيلومتر.
المشروع يهدف إلى تحويل العراق من دولة تعتمد على النفط إلى محور تجاري إقليمي.
بالنسبة لتركيا، يشكّل أقصر طريق إلى الخليج، أما للعراق فهو بداية لتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات.
أين يقف الكورد؟
السؤال الأبرز يتمحور حول دور إقليم كردستان في هذه المشاريع:
حتى الآن، لم يُسجَّل حضور فعلي للإقليم في المفاوضات، ما يجعله أقرب إلى "المتفرج" على مشاريع تمر عبر أراضيه.
غياب المشاركة قد يحرم كوردستان من مكاسب اقتصادية ويترك المجال لتأثير أجندات خارجية على المنطقة.
في المقابل، المشاركة الفاعلة يمكن أن تحول مدن الإقليم إلى مراكز اقتصادية، شرط وجود إرادة سياسية ودبلوماسية نشطة على المستوى الدولي.
خلاصة
إذا كانت الجغرافيا تفرض على إيران حدوداً لا يمكن تجاوزها عبر كوردستان، فإن مشروعي "الحجاز" و"طريق التنمية" يقدمان فرصة ذهبية للإقليم كي يطرح نفسه كـ"ممر تجاري دولي". لكن ذلك يتطلب قراراً سياسياً واضحاً من حكومة كوردستان لضمان أن تكون جزءاً من المكاسب لا مجرد شاهد على التحولات.
هذا الطرح يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول مستقبل الممرات التجارية في المنطقة، وكيف يمكن أن تتحول إلى أدوات لإعادة توزيع النفوذ بين تركيا، السعودية، والعراق، مع وضع الكورد أمام خيار تاريخي بين المشاركة أو التهميش.