عربيةDraw:
منذ ذلك الوقت، وبدلاً من اللجوء إلى حل وطني يضمن إقليماً قوياً وموحداً ومحمياً، ظل كوردستان ينتج الأزمات ويراكمها، حتى وصلنا إلى واقعنا الحالي، ليعيد إنتاج نفسه هذه المرة وسط كل هذه الضبابية بنسبة (39 ضد 39). إنها الوصفة العلاجية ذاتها التي تتكرر لتؤدي إلى الخيبة نفسها.
في الجوهر، إن الترويج للتقسيم الرياضي لمقاعد السلطة ــ سواء بمنطق غطرسة الأغلبية، أو بنسبة خمسين في خمسين، أو 39 ضد 39 ــ ما هو إلا امتداد لنمط الهيمنة نفسه الذي تمارسه الطبقة الطفيلية المتنفذة في إقليم كوردستان على النشاط الاقتصادي والتجاري في المنافذ الحدودية والضرائب (الإتاوات). ولكن هذه المرة يتم الأمر عبر استهلاك واستغلال مفاهيم "المساواة" و"الشراكة". وكما لم ينجح معهم منطق القوة الأحادية، فإن منطق "تحالف السجن" سيرتطم بذات الفشل أيضاً.
إنهم يريدون مأسسة هذا النوع من تقاسم السلطة وتحويله إلى نظام وقانون وأعراف دائمة، من خلال تكريس مناطق النفوذ بناءً على مبدأ "لا خاسر ولا فائز"، ومنح المواطن هوية مزيفة تابعة للاتحاد أو الديمقراطي؛ وكل هذا يجعل من "المنطقة الصفراء" أو "الخضراء" وحدود "ديغله" أمراً واقعاً أكثر مرارة.
إن ما ينفجر يومياً في وجهك كالفخاخ ــ سواء في خطاب القائد الغاضب، أو مراكز البحوث التابعة، أو مقدم البرامج الأنيق ــ والمقصود منه أن يتحول إلى دستور غير مكتوب، ليس مجرد فشل للوعود الانتخابية فحسب، بل هو فشل لمرحلة برمتها، وللنظام وبنية الحكم بأكمله لثلة طفيلية لا تملك سوى الرغبة في تراكم رأس المال واكتنازه.
إن تجاوز هذا الوضع لا يكون بالذهاب إلى انتخابات أخرى تُنظم فيها مهرجانات التهديد، وقطع رواتب الموظفين، واستعراض المسلحين في عمليات التصويت وتصويرها، أو عبر تصميم الانقسامات. بل يكون بنزول قوة الإرادة غير المُجزأة إلى الشارع ــ تلك القوة الخارجة عن لعبة الديمقراطي والاتحاد ــ لتقف بوعي وصبر وإرادة ومعرفة، ومستندة إلى تجربة عُجنت تحت وطأة الظلم، وبعقلية وهمّ وطني لتواجه مهزلة التقسيم هذه.
إن النهوض من وسط ركام الحكم المدمر ليس معجزة، بل هو طبيعة أي شعب يقرر الوقوف معاً بإرادة في اللحظات الحساسة والتاريخية؛ هذه هي لحظة الوحدة الحقيقية، وهذا هو سر التغلب على قدر " دێگەڵە" ( الحد الفاصل بین مناطق نفوذ الاتحاد الوطني ومناطق نفوذ الحزب الديمقراطي الكوردستاني)
إن أولئك الذين يستقبلون خطاب التقسيم بالتصفيق، هم في الحاضر شركاء وحلفاء لنمط حكم "سلطة المافيا" الذي يقول: "منفذي الحدودي لي، ومنفذك الحدودي لك". وفي المستقبل، سيكونون شركاء في المصير مع ذلك الكائن الذي يرغب في التهام كل شيء، وصولاً إلى رغبته في التهام الإرادة الجماعية والقدرة على التغيير عبر صناديق الاقتراع.