عربيةDraw:
تعود جذور الأزمة إلى اعتماد منظومة إنتاج الكهرباء بصورة كبيرة على الغاز الطبيعي، حيث تعتمد نحو 80% من الكهرباء المنتجة في العراق على المحطات العاملة بالغاز، فيما يحتاج البلد يومياً إلى ما بين 55 و60 مليون متر مكعب من الغاز لتشغيل هذه المحطات. ومع اقتراب فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة في بعض المحافظات إلى 40 درجة مئوية وأكثر، تتزايد الحاجة إلى ضمان إمدادات مستقرة من الغاز لتأمين وقود محطات التوليد.
عقد الغاز مع إيران
وقعت الحكومة العراقية أول عقد لاستيراد الغاز من إيران عام 2011 لتوريد 20 مليار متر مكعب سنوياً، قبل أن يتم تمديده لمدة خمس سنوات في عامي 2017 و2023.
ورغم تزايد احتياجات العراق من الغاز، لم تصل الكميات المستوردة خلال السنوات الأخيرة إلى المستوى المتفق عليه، إذ استورد العراق 9.4 مليار متر مكعب عام 2022، و7.3 مليار متر مكعب عام 2023، أي أقل من 50% من الكميات المنصوص عليها في العقد.
وهنا يبرز سؤال جوهري: لماذا لم يتمكن العراق من استيراد كامل الكميات المتفق عليها، رغم حاجته المتزايدة إليها؟ وهل يعود السبب إلى نقص الإنتاج الإيراني أم إلى عوامل أخرى؟
إيران ليست دولة تعاني نقصاً في الغاز
تشير الإحصاءات إلى أن إيران تمتلك ثاني أكبر احتياطي للغاز الطبيعي في العالم بعد روسيا، كما احتلت المرتبة الثالثة عالمياً في إنتاج الغاز الطبيعي بعد الولايات المتحدة وروسيا، بإنتاج بلغ 259 مليار متر مكعب خلال عام 2022، وفق التقرير السنوي لشركة British Petroleum (BP).
وبذلك فإن الكمية المتعاقد عليها مع العراق، والبالغة 20 مليار متر مكعب سنوياً، لا تمثل سوى نحو 8% من إجمالي إنتاج إيران من الغاز، وهو ما يشير إلى أن القدرة الإنتاجية الإيرانية تكفي لتلبية احتياجات العراق دون صعوبات فنية.
العقوبات والعقبة المالية
تشير الدراسات إلى أن المشكلة لا تكمن في الإنتاج، بل في آلية تسديد المدفوعات، إذ إن العقوبات الأمريكية تحول دون تمكن إيران من استلام مستحقاتها المالية، حيث تُودع الأموال في المصرف العراقي للتجارة (TBI) وتظل مجمدة.
وفي هذا السياق، قال رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني في مقابلة مع الشبكة العراقية بتاريخ 12 يوليو/تموز 2023:
"إن إيران تزودنا بالغاز من دون أن تتلقى أموالها، وهناك 11 مليار يورو من مستحقات الغاز مجمدة في المصرف العراقي للتجارة (TBI)، ولا تستطيع سحبها بسبب العقوبات."
وأدى ذلك إلى تراجع الحافز الاقتصادي لدى إيران للاستمرار في تصدير الغاز، في وقت تمتلك فيه صناعات بتروكيماوية وحديد وصلب قادرة على تحقيق قيمة مضافة أعلى من خلال استهلاك الغاز محلياً وتصدير المنتجات النهائية.
سيناريو مقترح لمعالجة الأزمة
وفق السيناريو المطروح، فإن اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران اعتباراً من 28 فبراير/شباط 2026، وما تبعه من إغلاق مضيق هرمز، أدى إلى تراجع صادرات النفط والغاز في المنطقة، بما فيها الصادرات العراقية التي تعتمد بصورة كبيرة على المرور عبر المضيق.
ويبلغ إنتاج العراق النفطي نحو 4.4 ملايين برميل يومياً، فيما تبلغ صادراته حوالي 3.6 ملايين برميل يومياً، ما يجعله سادس أكبر منتج وخامس أكبر مصدر للنفط في العالم.
وفي ظل هذه المعطيات، يمكن للحكومة العراقية دراسة آلية تقوم على تسوية جزء من الديون المستحقة لإيران من خلال بيع النفط الخام إليها، مقابل استمرار تزويد العراق بالغاز اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، بما يضمن استقرار المنظومة الكهربائية ويحد من الانقطاعات خلال أشهر الصيف.
ويستند هذا المقترح إلى امتلاك إيران طاقة تكريرية تبلغ نحو 2.237 مليون برميل يومياً، ما جعلها تحتل المرتبة الثانية بين دول منظمة أوبك من حيث الطاقة التكريرية خلال عام 2025، بحصة بلغت 16% من إجمالي الطاقة التكريرية لدول المنظمة، ونحو 2.1% من القدرة التكريرية العالمية.
كما حقق قطاع التكرير الإيراني عوائد من صادرات المشتقات النفطية بلغت نحو 5.5 مليار دولار، وهو ما يمنح إيران القدرة على تكرير النفط العراقي وإعادة تصدير مشتقاته.
خاتمة
في حال استمرار تعطل صادرات النفط العراقية نتيجة التطورات الإقليمية، وبقاء العقوبات عائقاً أمام تسوية مستحقات الغاز الإيراني، فإن خيار بيع النفط العراقي لإيران مقابل الغاز قد يمثل أحد البدائل التي تستحق الدراسة، بما يسهم في ضمان استمرار تشغيل محطات الكهرباء والحد من أزمة الطاقة، شريطة أن يتم ذلك ضمن إطار قانوني ودبلوماسي يراعي التزامات العراق الدولية ويحفظ مصالحه الاقتصادية.