نیریج - عربيةDraw:
فشلت عدة جولات من المفاوضات بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، منذ انتخابات البرلمان الكردستاني في تشرين الأول اكتوبر 2024، لتشكيل حكومة جديدة وتفعيل البرلمان، وكان يأمل الطرفان ان تساهم انتخابات البرلمان العراقي في تشرين الثاني نوفمبر 2025 في انهاء حالة الانسداد السياسي من خلال اتفاق شامل على توزيع المناصب الرئيسية في حكومتي اربيل وبغداد، لكن عقدة رئيس الجمهورية، ومنصب وزير داخلية الاقليم، حالتا دون ذلك.
وجاء انتخاب نزاد آميدي، عن الاتحاد الوطني، يوم السبت 11 نيسان ابريل، بأغلبية 227 صوتا برلمانيا، على الرغم من اعتراض الديمقراطي ومقاطعته جلسة التصويت، ليزيد تعقيد المشهد، ويطلق موجة جديدة من الأزمات السياسية التي ستؤثر بشكل خاص على فرص تشكيل حكومة كردستان، كما ستؤثر على معادلات تشكيل الحكومة العراقية.
وانتخب الرئيس الجديد عبر توافق سياسي بين بعض الأحزاب الكردية والشيعية والسنية، دون ان يشمل اكبر حزب كردي وهو الديمقراطي الكردستاني، وهو ما يضع العملية السياسية العراقية أمام سيناريوهات معقدة، خاصة في ظل حرب “الشرق الأوسط”، التي أبرز اثنين من أطرافها المتصارعة، فاعلان بارزان في تشكيل الحكومات العراقية.
في أولى ردود الفعل التصعيدية، أعلن الحزب الديمقراطي الكردستاني رفضه طريقة انتخاب الرئيس الجديد، واصفاً اياها بغير القانونية، وقرر سحب ممثليه من البرلمان العراقي والحكومة الاتحادية إلى إقليم كردستان، في خطوة ستزيد من التعقيدات السياسية بين بغداد وأربيل.
عدم التعامل مع الرئيس الجديد
كرد فعل مباشر منه على جلسة البرلمان التي أسفرت عن انتخاب الرئيس الجديد، رفض الحزب الديمقراطي الكردستاني الاعتراف بالنتيجة. وفي بيان رسمي صدر عن مكتبه السياسي، أكد الحزب أن انتخاب الرئيس الجديد جرى خارج إطار النظام الداخلي للبرلمان.
وذكر أن اختيار المرشح تم خارج الآلية الكردية المعتمدة، مؤكدا أن رئاسة الجمهورية “حق للشعب الكردي”، وليست حكرا على أي حزب بعينه، في إشارة منه إلى الاتحاد الوطني الكردستاني، واختتم البيان بالإشارة إلى أن المرشح (نزار آميدي) رُشِّح من قبل حزب واحد، وحظي بتأييد أطراف سياسية غير كردية.
يحمل تصعيد الحزب الديمقراطي الكردستاني رسائل سياسية واضحة في هذا التوقيت الصعب الذي يمر به العراق نتيجة حرب “الشرق الأوسط” التي تحول العراق الى احدى ساحاتها، ووسط مشاكل وخلافات بين قوى الاطار الشيعي الحكام بشأن المرشح لرئاسة الوزراء، وفي خضم تجاذبات ومخاطر ترتبط بملف الفصائل المسلحة وعقب تعرض مقرات الحشد الشعبي الشيعي لهجمات مختلفة اوقعت عشرات الضحايا بينهم قادة عسكريين وأمنيين بارزين.
ومن بين دلالات هذه الرسائل، رفض الحزب الديمقراطي للاتفاقات السياسية التي جرت، وتهديده بالرد على خسارته المتكررة في معركة مرشحي الرئاسة أمام منافسه الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي يصنف كحليف للقوى الشيعية.
وكان الديمقراطي قد سعى لثلاث دورات متتالية الفوز بمنصب رئيس الجمهورية، حيثُ بدأت الجولة الأولى من الصراع بين الحزبين الكرديين عام 2018، عندما رشح خصمه التقليدي الاتحاد الوطني، برهم صالح للرئاسة، في مواجهة فؤاد حسين من الحزب الديمقراطي الكردستاني. إلا أن حسين خسر المنافسة، وأصبح صالح رئيسا للجمهورية.
وتكرر المشهد في العام 2021، حيث رشّح الحزب الديمقراطي مجددا فؤاد حسين ولاحقا ريبر احمد، وزير داخلية الاقليم، وايضا لم يكتب له النجاح.
انشقاق البيت الشيعي
لا يمكن تفسير أو قراءة نتائج جلسة البرلمان لانتخاب الرئيس الجديد على أنها مجرد نتيجة لخلافات كردية-كردية فحسب، فالمؤشرات والمعطيات على أرض الواقع تظهر أن ما حصل هو نتاج صراع آخر يتعلق بالانقسام داخل البيت الشيعي والذي أدى إلى نوع من تفكك قوى الإطار التنسيقي -صاحبة المال والسلاح- وهو ما بدد حظوظ رئيس الوزراء الأسبق وزعيم ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، وحليف زعيم الديمقراطي مسعود بارزاني، في العودة لمنصب رئاسة الوزراء.
وقد يتعمق هذا الانقسام الشيعي أكثر مع اقتراب الموعد النهائي لتكليف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة البرلمانية الأكثر عددا بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة خلال الأيام المقبلة، وسط ارتفاع احتمالات تجديد ولاية محمد شياع السوداني.
وعلى الرغم من تولي الاتحاد الوطني الكردستاني منصب رئيس الجمهورية منذ عام 2005، ودخوله في صراع مع الحزب الديمقراطي حول هذا المنصب أكثر من مرة، إلا أن أحزاباً عراقية أخرى دخلت حلبة الصراع هذه المرة مع الديمقراطي في خضم استمرار وتعقد الأزمة الكردية الداخلية.
أحد أبرز هذه الأحزاب رئيس حزب تقدم ورئيس البرلمان السابق، محمد الحلبوسي، الذي أصبح خصماً لزعيم الحزب الديمقراطي في الأشهر الأخيرة. وقد تفاقمت الأزمة بين الجانبين بعد أن أكد بارزاني، في مقابلة تلفزيونية سابقة، استحالة السماح للحلبوسي بالعودة إلى رئاسة البرلمان لولاية ثانية، بعد إقالته قبل سنوات.
كان للخلاف بين بارزاني الأب والحلبوسي أثر إيجابي على وضع الاتحاد الوطني وزعيمه بافل طالباني، إذ مكّن الطرفين -طالباني والحلبوسي- من تشكيل تحالفات سياسية تضم أحزابا سياسية مقربة من إيران ولها فصائل مسلحة، الى جانب قوى سنية بعضها مقربة من قطر والإمارات وأخرى من الأقليات والمعارضة الكردية.
ويعكس هذا التحالف توجها جديدا في العملية السياسية، خاصة انه يقاد من قبل قيادات شبابية كسرت جمود التحالفات السياسية التقليدية بزعمات الصقور القدامى.
جاء التحالف الجديد لدعم مرشح الاتحاد الوطني، وفي الوقت نفسه لمواجهة التحالف الذي شكله بارزاني الأب مع المالكي الذي رشحه الإطار التنسيقي لتشكيل الحكومة الجديدة قبل أن تتبدد آماله بتغريدة من ترامب، الذي أعلن رفضه الواضح للمالكي كمرشح لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة.
تمكن بافل طالباني ومحمد الحلبوسي من كسر الجمود السياسي الذي استمر نحو ثلاثة أشهر، والذي حال دون انتخاب رئيس جديد للجمهورية واختيار مرشح لرئاسة الوزراء. ووضع تحالفهما حداً لتجاوز المواعيد الدستورية المحددة لانتخاب الرئاسات الثلاث، ونجح عبر اتفاقات تكتيكية مع كتل وأحزاب سنية وشيعية وأقليات، لا سيما مع رئيس تيار الحكمة عمار الحكيم، وزعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، بالإضافة إلى محمد شياع السوداني وغيرهم.
ساهم هذا التحالف في تقسيم الإطار التنسيقي الشيعي واقصاء المالكي من سيادة البيت الشيعي والإطاحة بتحالفه مع بارزاني، ومن ثم جمع الأصوات البرلمانية المطلوبة لعقد جلسة انتخاب الرئيس الجديد، ثم التصويت لمرشح الاتحاد الوطني، نزار أميدي، شريطة ألا يشمل ذلك تكليف مرشح الكتلة البرلمانية الأكثر عددا في نفس اليوم، بل في غضون 15 يوما كما ينص عليه الدستور.
مرشح الشيعة لتشكيل الحكومة
وتشير المعطيات الى أن مرشح الأحزاب الشيعية لتشكيل الحكومة الجديدة من المرجح أن يكون مرشحا من الخزعلي والحكيم على وجه التحديد، وبالتالي تزداد فرص رئيس الوزراء المنتهية ولايته، محمد شياع السوداني، في تشكيل الحكومة الجديدة بنسبة كبيرة، أو بنسبة أقل لمرشح آخر، ولكن ضمن دائرة الحكيم والخزعلي، مع استبعاد تكليف المالكي.
بقدر ما يُحقق التحالف الجديد بين الخزعلي والحكيم والسوداني والطالباني والحلبوسي وأطراف أخرى مصالح سياسية لكل طرف فيه، فإنه في المحصلة يمثل “تحالف اقصائي سني شيعي كردي” لبارزاني والمالكي، بما يمثلانه من قوى تقليدية قديمة، لصالح جيل جديد من القيادات.
وهذا التحالف الاقصائي، يتحرك مستفيدا من رفض “شيعي- سني” لتولي المالكي رئاسة الوزراء عقب الانتكاسات الأمنية التي حصلت خلال ولايته الثانية وتحديدا في العام 2014 مع ظهور داعش. كما يستفيد من مزاج عام ضد سياسات الديمقراطي الكردستاني والبارزاني الأب، عقب تنظيمه لاستفتاء الانفصال في العام 2017، واتهامه منذ ذلك الوقت بـ”النزعة الانفصالية".
وأدى قرار تنظيم الاستفتاء الذي قاده الديمقراطي الكردستاني، الى صدام سياسي بين الأحزاب السنية والشيعية في بغداد من جهة، والحزب الديمقراطي الكردستاني من جهة أخرى. ومازالت أطراف شيعية وسنية تعمل بإستمرار على تقويض النفوذ السياسي للديمقراطي الكردستاني في العاصمة العراقية، وعدم منحه المساحة المريحة للتحرك كما كان بعد عام 2003.
وعلى الرغم من مرور ما يقرب من تسع سنوات على الاستفتاء، إلا أن قوى نافذة في العاصمة العراقية لا تزال تنظر إلى الاقليم بعداء وتحاول معاقبته سياسيا واقتصاديا وماليا، لا سيما فيما يتعلق بحقوقه الدستورية من الميزانية الاتحادية السنوية، بالإضافة إلى التأخير في إرسال رواتب الموظفين.
وكان موقف الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يقود عملياً حكومة كردستان، برفض تصدير النفط العراقي عبر خط اقليم كردستان – جيهان التركي (قبل ان يعود للموافقة) في بداية الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، قد زاد من تعقيد العلاقة بين القوى النافذة في بغداد والديمقراطي الكردستاني، ووضع كردستان في “دائرة الاتهام” باضعاف العراق.
كما لا يمكن للأحزاب الشيعية الحاكمة في بغداد أن تنسى التحالف السياسي الذي شكّله زعيم الديمقراطي مسعود بارزاني بعد انتخابات 2021 مع الحلبوسي والصدر آنذاك، والذي أدى الى انقسام القوى الشيعية حينها وتفكك البيت الشيعي. إلا أن هذا التحالف سرعان ما انهار بعد عجز الصدر عن تشكيل الحكومة بسبب “الثلث المعطل” الذي شكله منافسوه واضطر بعدها الى اعتزال العمل السياسي.
ومنذ ذلك الحين، تصاعد غضب الأطراف الشيعية تجاه الحزب الديمقراطي الكردستاني، وتجلّى ذلك بوضوح عندما صوّتت القوى السياسية الشيعية الكبيرة لمرشح الاتحاد الوطني لرئاسة الجمهورية يوم السبت الماضي، وقبلها برفض احد مرشحي الديمقراطي لمنصب النائب الثاني لرئاسة البرلمان.
ما السيناريوهات المحتملة؟
في ضوء هذه النتائج والمعطيات، سيواجه العراق سيناريوهات معقدة في ظل الخلافات (الكردية-الكردية) و(الشيعية-الشيعية) بالدرجة الأساس، وقد يُصعد ذلك الضغوط الاقتصادية والمالية على الاقليم من جهة العاصمة الاتحادية بما يرتبط بالرواتب والنفط والنفوذ في المناطق المتنازع عليها، خاصة في حال عمل الحزب الديمقراطي على عرقلة تعيين مرشح القوى الشيعية لتشكيل الحكومة الجديدة خلال الأيام المقبلة.
بالإضافة إلى ذلك، ستظل كردستان غائرة في دوامة أزمة تشكيل الحكومة الكردية الجديدة بسبب الخلافات المتفاقمة بين الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي، وبالتالي سيظل برلمانها ومؤسساتها في حالة شلل غير قادرة على التحرك لمعالجة أزمات كردستان الاقتصادية بما فيه تأخر الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة ونقص فرص العمل وانتشار البطالة، وانعدام الرقابة على العمل الحكومي، والفساد المستشري دون أي رقابة.
لكن السيناريو الأخطر على العراق هو تفاقم الصراعات الشيعية الداخلية بين الأطراف المختلفة، خاصة أن جزءا كبيرا منها يمتلك أذرعاً مسلحة، كصراع الحكيم والخزعلي ضد المالكي، وعدم التوافق مع السوداني، وأزمة المطالب والشروط الأمريكية الثقيلة والتهديد بالعقوبات، وهو ما قد يدفع إلى تحولات ربما تعيد مقتدى الصدر إلى الساحة السياسية.
التقلبات في الساحة الشيعية، واردة تماما خاصة انها محكومة بعوامل داخلية كما بالتحولات الاقليمية، فقد نرى عودة الصدر وحتى تحالفه مع المالكي لمواجهة الجيل الثاني داخل البيت الشيعي الذي يقوده عمار الحكيم وقيس الخزعلي.
وسيعمل من هم خارج دائرة القرار الى إضعاف سلطة وقوة الحكومة الجديدة، سواءً أكانت بقيادة السوداني أو أي مرشح آخر من الحكيم والخزعلي، مستفيدين من الأزمة الاقتصادية، مع احتمالية التحرك لاطلاق احتجاجات شعبية والضغط لشلّ البرلمان وعرقلة اقرار الميزانية والدعوة الى انتخابات مبكرة، وبالتالي ستواجه الحكومة الجديدة غضب الشارع العراقي.
وفيما يتعلق بالبيت السياسي السني، ستظل الخلافات داخلها محدودة، نظرا لأن الحلبوسي أصبح الشخصية الأكثر نفوذا فيه، وسيتحكم بأغلب القرارات. ومع ذلك، سيستمر هذا البيت في دائرة المعاناة من مشاكله الأساسية مع تقاطع مشاريع عدة دول نافذة، ومع واقع سلطة الأغلبية الشيعية الحاكمة.
وعلى الرغم من كل الصراعات، يرجح ان يبقى الاستقرار الهش في العراق، مع استمرار توازن النفوذ الإقليمي والدولي والتقاسم في اتخاذ القرارات، فواشنطن ستظل حاسمة وفي كل التفاصيل الأساسية حفاظا على مصالحها وبشكل خاص الاقتصادية، بينما ستواصل طهران دعم الفصائل الشيعية لتعزيز موقفها وحفظ وجودها المهدد بالانكماش، وستكون تركيا المقربة من الحزب الديمقراطي، على أهبة الاستعداد للدفاع عنه في أي لحظة تستدعي التدخل ومعها ضمان حضورها القوي في اقليم كردستان.